القائمة الرئيسية

الصفحات

المذاهب الأدبية عند العرب عبر العصور



المذاهب الأدبية عند العرب عبر العصور

المذاهب الأدبية عند العرب عبر العصور

اختلاف المذاهب الأدبية عند العرب عبر العصور عن المذاهب الأدبية الأوروبية

اختلفت مذاهب الأدب العربي عن المذاهب الأدبية الأوروبية تبعاً لما مرت به من ظروف تاريخية واجتماعية خاصة بها في كل عصر:

أولاً: عصر ما قبل الإسلام    

      لم يشهد الأدب العربي مذاهب أدبية على غرار المذاهب الأوروبية لأنه عاش ظروفاً مباينة في أبعادها جميعا, ومن البديهي أن لا تظهر فيه مثل هذه المذاهب، بيد أننا من جانب آخر نلمس في الأدب العربي القديم (بعض التيارات والاتجاهات الأدبية التي عكست بعض الأصول والخصائص المشتركة، غير أن القسم الغالب فيها لم ينضج ولم تتبلور أسسه ولم تصنف فيه الكتب)([1]).
 
      لقد عُرف في أدب عصر ما قبل الإسلام اتجاهان في الشعر هما:
الطبع : وهو نظم الشعر بديهة وارتجالاً. 
والصنعة : وهو تجويد الشعر وتنقيحه فيستغرق زمناً طويلاً قبل تقديمه للناس([2]) .
  
      أما القصة فلم تدوّن ولم تلق حظوة لدى الأوساط الأدبية آنذاك؛ لأنها لم تكن لدى العرب من جوهر الأدب كالشعر والخطابة والرسائل، ولكنها تطورت في العصر العباسي حيث تنوعت وغنيت مضامينها وأساليبها فظهرت قصص حظيت بشهرة واسعة مثل (ألف ليلة وليلة) و (رسالة الغفران)([3]) .

ثانياً: العصر العباسي   

      الأدب العباسي هو الآخر شهد اتجاهين أدبيين قاما على أسس ومبادىء أكثر وضوحاً، هما :
الاول : الاتجاه السلفي أو التقليدي أو المحافظ.
والآخر : التصنيع أو التجديد والتأثر بالفلسفة والثقافات الجديدة التي شهدها العصر.
      وهناك من أصطلح مصطلح (الكلاسية) على الاتجاه الأول، (والرومانسية) على الاتجاه الثاني([4]) .
 
      وكان للقصة في الأدب العربي وجهان:
      ــــ مترجم دخيل،  ــــ وعربي أصيل،  نذكر من الوجه الأول (كليلة ودمنه) و (ألف ليلة وليله) و من الوجه الآخر (المقامات) و (رسالة الغفران)([5]).

( كليلة ودمنة)

      لو تتبعنا كتاب (كليله ودمنة) تاريخياً لعلمنا أنه من أصل فارسي، وذو طابع خلقي وفني أنفرد به، وهو من جنس القصص على لسان الحيوان، والخرافة، وكان سبباً في خلق جنس أدبي جديد في اللغة العربية قصد فيه تعليم الملوك كيف يحكمون، والرعية كيف يطيعون، كل ذلك على لسان الحيوان لتبدو الحكمة والقول الجاد الصارم الموجه في صورة ممتعة تجتذب إليها العامة والخاصة([6])، وقد نقله إلى العربية الكاتب (ابن المقفع).

( ألف ليلة وليلة)

     أما كتاب ألف ليلة وليلة فهو أيضاً فارسي الأصل و(نقله إلى العربية "الجهشياري ت:942هـ"، إلا أن القصاصين المتعاقبين أضافوا إليه قصصاً أخرى كثيرة، وعلى تعاقب العصور ألحقت بهذه المجموعة حكايات جديدة من مصادر هندية ويونانية وعبرانية، وتطرق إليها أيضاً نوادر وفكاهات وغراميات من بلاط هارون الرشيد)([7]).
أما الوجه الآخر من القصص وهو العربي الأصيل فمنه:

(المقامات)

      المقامة في الأصل معناها المجلس، ثم أطلقت على ما يحكى في جلسة من الجلسات على شكل قصة تحوي في الغالب على مخاطرات تروى على لسان متسول ماكر ولوع بالملذات وهو دائماً يجيد الأسلوب عن بديهة وارتجال([8]) .

ولعل المقامات أول أدب يشعرنا بروح القصة الخالصة، لأنها تمتاز بـ (عنصر الخيال والابتكار وإن كان ساذجاً بدائياً، فقد كان هدف المقامة آنذاك التفنن البلاغي والمطارحات الشعرية والمغازي النحوية واللغوية)([9]) .

والمقامات من أدب القرن الرابع الهجري، والمعروف أن أول من اخترعها وأعطاها هذا الاسم هو (بديع الزمان الهمذاني، ت : 398هـ) وقد خطا خطواته وتأثر به كثير من الكتّاب, منهم (ابن نباتة السعدي) و (ابن ناقيا) و (الحريري) ، وهذا الأخير صيّر فنّ المقامات شريعة أدبية, وانتشرت مقاماته في جميع الأقطار العربية وصارت مضرب المثل في الفصاحة والبيان([10]).

       كتب في فن المقامات : السيوطي ، وابن الجوزي ، والقلقشندي، ومن العصر الحديث : محمد المويلحي([11]).

(رسالة الغفران)

     من القصص العربي الأصيل(رسالة الغفران)لأبي العلاء المعري(ت: 449هـ)، (في رحلة تخيلها أبو العلاء في الجنة, وفي الموقف، وفي النار، يحلّ في عالم خياله مسائل ومشكلات ضاق بها في عالم واقعه من العقاب والثواب...مع كثير من المسائل الأدبية واللغوية التي يوردها مورد الساخر تارة, والناقد اللغوي المتبحر تارة أخرى)([12]).

ثالثاً: العصر الحديث   

      أما الأدب العربي الحديث فيمكن النظر إليه بوصفه مختلفاً اختلافاً جوهرياً عن الأدب العربي القديم، إلا (أن الانقطاع بين الأدبين لم يحدث, ولا يمكن أن نغفل عن تأثير الأدب القديم في الأدب الحديث وأن اختلفا جوهرياً، فإنهما وليدا مسار تاريخي يتطور ويتجدد ويختلف, لكن الصلات بين مراحله لم تنقطع)([13]) .

وثمة باحثون يرون أن الأدب العربي الحديث عرف اتجاهات أدبية لا تختلف عن الاتجاهات الأدبية الأوربية هي: ( الكلاسية ، والرومانسية ، والواقعية )([14]) .



الكلاسية:  

      ظهرت الكلاسية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ويعود ظهورها إلى جملة عوامل, أهمها غزو الحضارة الغربية للوطن العربي وما أحدثته من ردة فعل في نفوس المثقفين الذين وجدوها حضارة أجنبية وعدوانية تبغي السيطرة وسحق كل ما هو قومي، ومن ثم راح المثقفون يبحثون عما يستطيعون به الوقوف والتصدي لهذه الحضارة الغازية، فالتفتوا إلى الماضي البعيد حيث الحضارة المشرقة والفكر النير والأدب الحي، واتخذوه سلاحاً لمقاومة الحضارة الغربية، فظهر في شعرهم ونثرهم ما بعث سالف التراث إلى الحياة من جديد([15]) .

الرومانسية: 

      في مطلع القرن العشرين (ظهرت الرومانسية، وظلت حتى نهاية الحرب العالمية، فارتبطت نشأتها بنشأة الطبقة الوسطى العربية، وتأثر المثقفون العرب بالآداب الرومانسية الأوروبية)([16]) لذلك قسّم بعض الباحثين القصة العربية في اتجاهاتها العامة من حيث تأثرها بالآداب الأوروبية في العصر الحديث على طورين متعاقبين([17]) :

الأول: تأثر القصة بادئ ذي بدء بالأجناس القصصية المأثورة في الأدب العربي القديم ، بالأخص فنّ المقامة.
والآخر: في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين أخذت القصة تتخلص قليلاً قليلاً من الاعتماد على التراث العربي القديم, فبدأ هذا الطور بتقريب موضوعات القصص الغربية وتكييفها لتطابق الميول الشعبية, ولم يحفل الكاتب العربي بدقّة الترجمة، وأضاف إليها ما شاء لتغيير مجال الأحداث، وهذا يُعّد تشويهاً لقيمها الفنية.

بيد أن هذا التأثر من قبل قصّاصي الأدب العربي بتلك النماذج الأوروبية لا يعني وصف القصة جنساً أدبياً جاءنا من الغرب، (فالقصة جنس أدبي عرف خلال تاريخه الطويل أنواعاً من القص عديدة, وأشكالاً لكل نوع وفيرة...وما أتانا من الغرب نوعان قصصيان هما الرواية والقصة القصيرة، والفنّية ليست حكراً على خصائص أي منهما)([18]).

يؤيد هذا القول نضج الوعي الأدبي بعد مرحلة التعريب تلك، فقد نهض الجمهور ثقافياً وطلب الترجمة الصحيحة، حدث ذلك في فترة الجهود التي بذلت لظفر مصر بالاستقلال الكامل بين الحربين العالميتين, فشرع الأدباء يخلقون أدباً قصصياً يتصل بعصرهم وبيئتهم تقوم فيه القصة بنشاطها الاجتماعي([19]) .

الواقعيـــة:

      في أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهر في أدبنا الحديث المذهب الواقعي، وذلك (بسبب انتشار الثقافة والتعليم, ونضج الوعي, وظهور الحركات والقوى الثورية التي صارت تحلل الواقع تحليلاً موضوعياً, مما جعل رؤية الأديب تغدو رؤية واضحة لا ضبابية فيها ولا غموض)([20]) .

بعد هذا العرض للاتجاهات والمذاهب الأدبية عند العرب قديماً وحديثاً لم يبق إلا أن نبحث في أمر ملفت للنظر, وهو صدود العرب قديماً عن تقليد المسارح اليونانية مع أنهم كانوا على اتصال بالحضارات الأخرى, والتاريخ يشهد بأن (العرب اتصلوا طويلاً بالحضارات اليونانية والرومانية قبل الإسلام وبعد الإسلام وكان اتصالهم بها في مصر والشام وفلسطين والبتراء اتصال المغلوب بالغالب والمغصوب بالغاصب)([21]).

 والقرآن الكريم يدلنا على نوع من الاتصال التجاري للعرب بالحضارات الأخرى في قوله تعالى ] لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ[([22]) ولكن لا دليل من أي مصدر يكشف عن أي نوع من العروض المسرحية عند العرب قديماً، مقتبسة من مسارح اليونان.

اجتهد بعض المستشرقين والأدباء والمتأثرين بالخط الإستشراقي بتعليل الأمر بأن العرب كانوا قاصرين عن الفن القصصي المسرحي وغير قادرين على الابتكار والخيال (فزعموا أن العربي كان ضحل الخيال مهزوز العاطفة ضيق الأفق غير قادر على الإبداع والخلق، وفي الحقيقة أن هذا الزعم باطل يجافيه الواقع والصدق، فالعربي بطبيعته ثري بكل مقومات الشخصية الكاملة والصورة المثالية وخياله خصب وتفكيره واضح..)([23]).

إن العرب مع شركهم بالله الذي عرفوه قبل الإسلام لم تكن لهم أساطير يفسرون بها الحياة تفسيراً وضعياً غير إلهي، فلقد عصمتهم بداوتهم من التفكير الوثني الذي شاع عن الحياة في أساطير الشرق والغرب، فقد فسر العرب حياتهم بكل وضوح على أن الله هو الخالق وهو الأول والآخر، وهذه الحياة البدوية هي التي تنزهوا بها عن أي تجسيم وثني فيما عدا الاصنام([24]) ، فالعربي كان دائماً – وما زال – يعتز بشخصيته ولا يتنازل عنها أبداً ولا يخلعها بأي حال من الأحوال مهما كان في حضرة الآلهة الاسطورية.

بهذا التكوين وبهذه الفطرة وبهذا الإدراك رفض العربي قصص المسرح اليوناني في (أبنيتها وأثوابها الخيالية التي تعالج في الغرب أمراض الشراهة إلى المتعة، وتواجه ضغط الحاجة البيئية الملحة إلى تغيير الواقع... حيث تضعهم القصة الخيالية أو المسرحية داخل جلسات خاصة أو عامة، يلهثون فيها وراء قدر من المتعة الوقتية وقدر من الاطمئنان إلى مزيد من هذه المتعة في الطعام والدفء والخمر والحب)([25]) ، كما هو مفهوم المتعة المطلق عند الأوروبيين, منذ اليونان الأوائل وحتى اليوم, هذا المفهوم الذي يقدم الطعام على الأخلاق، والخمر على الماء، والعاجل على الآجل.


الدكتورة نهضة الشريفي

الهوامش :



([1]) في النقد الأدبي الحديث: 85.
([2]) ظ في النقد الأدبي الحديث : 86.
([3]) ظ م . ن : 133
([4]) ظ  م . ن : 87
([5]) ظ النقد الأدبي الحديث: 494
([6]) ظ النقد الأدبي الحديث : 494
([7]) قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح: 106
([8]) ظ النقد الأدبي الحديث: 496
([9]) بحوث في قصص القرآن: 31
([10]) ظ النثر الفني في القرن الرابع: 1/242
([11]) النثر الفني في القرن الرابع: 1/243
([12]) النقد الأدبي الحديث: 496
([13]) القصة العربية الحديثة جديد طارئ أم قديم يتطور ويتجدد , د. عبد المجيد زراقط : 212 مجلة المنهاج ، العدد 20 
([14]) في النقد الأدبي الحديث: 86
([15]) ظ في النقد الأدبي الحديث  : 87
([16]) م . ن : 88
([17]) ظ النقد الأدبي الحديث: 500، 501
([18]) القصة العربية الحديثة جديد طارئ أم قديم يتطور ويتجدد : 220  مجلة المنهاج  , العدد 20
([19]) ظ النقد الأدبي الحديث: 503
([20]) في النقد الأدبي الحديث: 87
([21]) قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح: 52
([22]) سورة قريش : 1ـ 2
([23]) بحوث في قصص القرآن: 33
([24]) قصص القرآن في مواجهة أدب الرواية والمسرح: 68
([25]) م . ن : 51

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع في المحتويات